فخر الدين الرازي
56
تفسير الرازي
وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ، وهذا الجواب مضمر في قوله تعالى ( وجعلوا لله شركاء ) والتقدير : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع ، ونظيره قوله تعالى ( أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه ) وما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) فكذا ههنا ، قال صاحب الكشاف : يجوز أن يقدر ما يقع خبر للمبتدأ ، أو يعطف عليه قوله ( وجعلوا ) والتقدير : أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوه وجعلوا له شركاء . ( الوجه الثاني ) وهو الذي ذكره السيد صاحب حل العقد فقال : نجعل الواو في قوله ( وجعلوا ) واو الحال ونضمر للمبتدأ خبرا يكون المبتدا معه جملة مقررة لامكان ما يقارنها من الحال ، والتقدير ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) موجود . والحال أنهم جعلوا له شركاء ثم أقيم الظاهر وهو قوله ( لله ) مقام المضمر تقريرا للإلهية وتصريحا بها ، وهذا كما تقول : جواد يعطى الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي . واعلم أنه لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال ( قل سموهم ) وإنما يقال ذلك في الامر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم ، فعند ذلك يقال : سمه إن شئت . يعنى أنه أحسن من أن يسمى ويذكر ، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل ، فكأنه تعالى قال : سموهم بالآلهة على سبيل التهديد ، والمعنى : سواء سميتموهم بهذا الاسم أولم تسموهم به ، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ، ثم زاد في الحجاج فقال ( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ) والمراد : أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه ، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها ، وإن لم يكن شريك البتة ، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض في غيرها ( أم بظاهر من القول ) يعنى تموهون باظهار قول لا حقيقة له ، وهو كقوله تعالى ( ذلك قولهم بأفواهم ) ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه ( بل زين للذين كفروا مكرهم ) قال الواحدي : معنى ( بل ) ههنا كأنه يقول : دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم ، فكأنه يقول : دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه ، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل . قال القاضي : لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله ، بل لابد وأن يكون إما شياطين الانس وإما شياطين الجن . واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه : الأول : أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الانس